الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

84

نفحات الولاية

البداية كان بهيئة كتلة غازية عظيمة شبيهة بالمائع ، كما يمكن الاصطلاح عليها باسم « الدخان » ، أو بتعبير آخر كانت الطبقات العليا من العالم دخاناً ، وكان هذا الدخان يتخذ شكل المائع بفعل حالة الضغط كلما اقترب من مركز العالم . أمّا الشيء الذي تكفل بحفظ تلك الكتلة العظيمة للغاية إنّما تمثل بالجاذبية التي تحكم جميع ذرات العالم ، وقد سلطت هذه الجاذبية على ذلك الغاز المائع فشدته وحالت دون خروجه من حدوده . ثم ابتدأت هذه الكتلة العظيمة بالدوران حول نفسها ( أو أنّها كانت تدور حول نفسها منذ البداية ) وهنا ظهرت قوة الطرد المركزية . « 1 » وقد أدت قوة الطرد المركزية هذه بتلك الكتلة العظيمة من ذلك الغاز المضغوط أن تقذف في الفضاء الخالي ، وعلى حد تعبير نهج البلاغة كما سيأتي في العبارات التالية من هذه الخطبة « فأمرها بتصفيق الماء الزخار وإثارة موج البحار فمخضته مخض السقاء وعصفت به عصفها بالفضاء » ثم ظهرت منها المنظومات والكواكب والكرات الصغيرة والكبيرة للعالم ؛ الأمر الذي نعته القرآن ونهج البلاغة بالسموات السبع . طبعاً كل ما نريد أن نقوله - دون الاصرار على هذا الموضوع - هو الانسجام القائم بين عبارته عليه السلام والفرضيات والنظريات العلمية الواردة بذات الشأن ، حيث يمكن استيعاب كلام الإمام علي عليه السلام على ضوء النظريات والأطروحات العلمية المعاصرة بخصوص ظهور السماوات والأرضين والكواكب والاجرام السماوية وسائر الكرات . وننتقل الآن إلى أصل عبارته ، فقد قال الإمام عليه السلام : « فاجرى فيها ماء متلاطماً « 2 » تياره « 3 » » . « التلاطم » بمعنى اصدام الأمواج ببعضها ، والتيار يعني الموج ، ولا سيما الأمواج التي يقذفها الماء خارجاً ، أفليس هذا الماء المتلاطم والمتدفق هو تلك الغازات الأولية المضغوطة التي تمثل المادة الأولية للعالم على ضوء نظريات العلماء واطروحاتهم ؟ ثم أكد الإمام علي عليه السلام على شدة

--> ( 1 ) كل شيء يدور حول نفسه انّما يتعرض إلى قوة تحاول طرده من المركز ، كالشعلة التي ندورها بأيدينا فإذا تركناها فجأة قذفت إلى نقطة بعيدة ، وما هذا إلّالوجود قوة الطرد المركزية ، وكلما تضاعفت هذه القوة فان شدة القذف خارجاً تتناسب طردياً وازدياد تلك القوة . ( 2 ) « متلاطم » من مادة « لطم » على وزن ختم بمعنى صفع الوجه باليد ، ثم استخدمت هذه المفردة لاحقاً بمعنى اصطدام الأمواج مع بعضها . ( 3 ) « التيار » بمعنى أمواج البحر التي يقذف بها الماء ، وقد أطلقها البعض ( مقاييس اللغة ولسان العرب ) على كل نوع من الأمواج .